عبد الملك الجويني
100
نهاية المطلب في دراية المذهب
غموضَ هذه المسألة فليس من [ الفقه ] ( 1 ) في شيء ؛ فإن ضمان الغصب سببه عدوانُ الغاصب . وقد انقطع العدوان بالإذن في جهة غير مضمِّنة . ولو أودع العينَ المغصوبة عند الغاصب ، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في انقطاع ضمان الغصب ، فمنهم من قال : لا ينقطع ما لم تتبدَّلُ اليد . ومنهم من قال : يزول ضمان الغصب ؛ فإن الائتمان مقصود في الإيداع ، وليس الائتمان مقصوداً في الرهن ، بل مقصوده التوثيق . ثم الأمانة من موجَبه ومقتضاه . 3550 - ولو أجر المالك العين المغصوبة من الغاصب ، والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر ، فهل يُقضَى بأن المغصوب ينقلب أمانة في يد الغاصب بالإجارة ؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين في الإيداع . والإجارة أولى بأن لا تُسقط ضمان الغصب ؛ لأن الائتمان ليس مقصوداً فيها . ولو وكل المالكُ الغاصبَ بالبيع فإن استحفظه في الحال مودَعاً ، ثم أذن له في البيع إذا وجد طالباً ، فالاستحفاظ إيداع ، وقد مضى الكلام فيه . وإن لم يجر استحفاظٌ ، فالوكالة المطلقة في البيع نازلةٌ منزلة الإجارة ؛ لأن الائتمان غيرُ مقصود فيها ، بخلاف الإيداع ؛ وكانت الوكالة من هذه الوجوه كالإجارة . ويجوز أن يقال : الوكالة المطلقة أولى بأن لا تُبطل ضمان الغصب ؛ من قِبل أن الإجارة في ضمنها تسليط القبض والإمساك ، والتوكيل في البيع ليس كذلك ، فيتجه ترتيب الوكالة المطلقة على الإجارة . فإن قيل : اعتمدتم في ترتيب المذهب أن الأمانة ليس مقصوداً في الإجارة ، وإن كانت الأمانة من حكمها ، فهلاّ نزلتم الرهنَ منزلة الإجارة ؛ فإن الرهن في وضعه لا يقتضي ضماناً كالإجارة ؟ قلنا : نود لو كان كذلك ، ولكن لم نطلع في هذا على خلافي للأصحاب معتبرٍ ، والاعتبار بما يُجريه أئمةُ النظر في مسائل الخلاف ، إذا كان لا يستند إلى أصل في المذهب من طريق النقل .
--> ( 1 ) في الأصل : المسألة .